|
لقد اصبح المندائيون في
العصر الساساني الكتبة والنساخ الرئيسيين للوثائق الرسمية وعمل التعاويذ
السحرية بكل اللهجات السائدة ، واهتموا باللغات فاصبحوا همزة الوصل بين
الاقوام العربية والارامية وبين الفرس الساسانيين ومن ثم الجيوش اليونانية
التي غزت العراق في القرن الرابع قبل الميلاد واتخذت من بابل عاصمة لها تحت
قيادة الاسكندر المقدوني، وقاموا بترجمة اساطير وعلوم بابل الى لغة
الأغريق. وبناء عليه يمكننا ان نطلق عليهم تسمية (مثقفو) العراق في تلك
الحقبة، وقد اتخذ خالد ابن الوليد اثناء اقامته في الحيرة كاتبا ومترجما
(سكرتيرا) مندائيا يدعى (مـُرَّة) ليقوم بكتابة الرسائل بالفارسية
والآرامية والعربية.
كانت الكثرة من اهل المدائن
(طيسفون) عاصمة الفرس الساسانيين الشتوية من الاراميين والمندائيين و فيها
لهم معابد عديدة، وازدادت اعدادهم في الفترة الساسانية خصوصا شرق دجلة
وضفاف الكرخة والكارون فاستوطنوا ديزفول (عاصمة بلاد عيلام) والاهواز
والخفاجية والبسيتين والمحمرة وكان اغلب سكان شوشتر من المندائيين الصابئة،
كما اصبحت الطيب (طيب ماثا) اهم حاضرة لهم. (4) ، وتفوقوا في
صناعة الذهب والفضة والاحجار الكريمة التي كانت تجلب من مملكة آراتا في
المرتفعات الايرانية. اما القسم الاكبر منهم فقد امتهن الفلاحة وزراعة
الارض واستوطنوا الاهوار وضفاف الانهار وقاموا بتنظيم قنوات الري في ارض
السواد ، وأسسوا لهم حواضر مهمة مثل كـوثـا و سـورا ، وقد اطلق عليهم
العرب تسمية انباط او ( نبت ) كونهم ينبتون الآرض (3) وقد
ذكرهم الامام علي (ع) بقوله نحن من قريش وقريش من النبط والنبط من
كوثى.
لقد
قدمت بابل ومملكتي فارس وميديا ظروفا طبيعية ملائمة لنمو عقائد
دينية توفق بين التقاليد والشعائر القديمة وبين
الافكار القادمة من الحضارة
الصينية القديمة بواسطة فلاسفة الهند الفيديين ، تلك الافكار التي جددت
عقائد الناس وبعثت فيهم الروحانيين والهمتهم خلود الروح وان مصدرها الكائن
الالهي فاصبحت بلاد الرافدين بوتقة (كوزموبوليتينية) ضمت ديانات عديدة
كالزرادشتية والمجوسية واليهودية والمندائية (المعرفية) والغنوصية
والمانوية والمسيحية بالاضافة الى عقائد الاقدمين من سكان وادي الرافدين،
واقواما مختلفة كالفرس والاراميين والبابليين والكلدان والاشوريين،
والعبرانيين الذين سباهم نبوخذنصر، والعرب والارمن، والاغريق الذين جلبهم
الاسكندر من مكدونيا.
وعلى صعيد آخر برزت مدينة
حرّان (حرانو) في الشمال والتي هاجر اليها قسم من الصابئة مع ابراهيم
الخليل كاحدى المراكز الرئيسية للحضارة الآرامية ووارثة حضارات الشرق
الأدنى القديم من بابلية وآشورية وكنعانية وكلدانية، والبوابة التي تمر من
عبرها حضارات فارس والشرق من جهة وحضارات اليونان والرومان خصوصا بعد
فتوحات الاسكندر الاكبر (323 ) قبل الميلاد ونتيجة لذلك برع صابئة حران في
الترجمة واصبحوا النقلة الأساسيون للحضارة الغربية الهلنستية الى الدولة
العربية الاسلامية فيما بعد.
اما النص المندائي التاريخي
الأهم هو الذ ي يبين بأنه
عندما جاء الاسلام وجعل يميز
بين الاديان ذات الكتب المنزلة والاديان التي لم تكن موجهة من السماء قدم
الريشما ( آنوش بن دنقا )
639 ـ 640
ميلادية ـ الذي ترأس وفد الصابئة المندائيون ـ كتابهم المقدس كنزا ربا
(الكنز الكبير) للقائد العربي الاسلامي آنذاك ، وربما كان سعد بن ابي وقاص،
واطلعه على ديانتهم كما ذكر له بأن نبيهم هو يحيى بن زكريا الذي يجله
المسلمون فقبل منهم ذلك واكرمهم. وفي الحقيقة كان المندائيون قد اعتبروا من
قبل الاسلام على انهم من اهل الكتاب ، اذ ان بالتعبير "الصابئين" الذي ورد
في القرآن الكريم، بثلاث ايات لا تقبل التأويل، لم يقصد بلا شك الا تلك
الجماعة العراقية الموغلة في القدم التي اتخذت التعميد شعارا ورمزا لها.
وليس من شك في ان مؤهلاتهم
العقلية وخدمات بعض نوابغهم العلمية هي التي اهابت بالمسلمين الى منحهم
الحماية لأهل الكتاب (5)، وبرز منهم المئات من امثال ثابت بن
قرة وابو اسحق الصابي والبتاني الفلكي وابن وحشية (صاحب كتاب الفلاحة
النبطية) وسنان بن ثابت
و الكيماوي الشهير
جابر بن حيان.
وقد اجبرت جموعهم ، فيما بعد،
الى الاسلام، لأن الدخول الى الاسلام لم يكن هناك بدا عنه، فقد قضت
المصلحة الفردية به من وراءها حب التخلص من تأدية الجزية وما فيها من اذلال
والتهرب من الاذى والرغبة في المناصب والتمتع بالحرية والامان، كما ارتكبت
بحقهم العديد من المذابح . ونتيجة لذلك تناقصت اعدادهم تدريجيا وباتوا على
شفير الانقراض. لقد احصى المستشرق الالماني بيترمان المندائيين في جنوب
العراق فوجدهم بحدود
(560) عائلة، وذلك في
سنة 1841
.
ومهما قيل في اصل الصابئة فإن
وجودهم في العراق منذ منذ اقدم العصور لا يختلف عليه اثنان . وهم الباقون
منذ القدم شهودا على عظمة ارض الرافدين التي كانت مهدا للحضارة البشرية. |